واصف جوهرية
5
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
المقدمة إني لست بذلك الأديب الفاضل أو الكاتب الماهر أو المؤرخ الشهير أو الرحال القدير الذي يحسن نشر علمه وأدبه وإرشاده على العالمين ، فكلما هنالك أني موظف بسيط أغلقت أبواب المدارس في وجهي في الحرب العظمى الأولى عندما كنت على وشك إنجاز دراستي الثانوية ولم يساعدني الحظ على ترك بلادي فلسطين طيلة حياتي ، « 1 » ولكنها طرأت علي ظروف ومفاجئات وحوادث مختلفة منها الطريقة وذلك في العهدي العثماني والبريطاني جعلتني أفكر في تدوين البعض منها معتمدا على سببين أظن أنهما المساعدين على حدوث مثل هذه المفاجئات والظروف التي سأدونها في كتابي هذا . 1 . العلاقة الأخوية المتينة بين المرحوم والدي والأسرة الحسينية بالقدس والتي ربطتني بأحد وجهاء هذه الأسرة الكريمة ألا وهو المغفور له حسين هاشم الحسيني ابن المغفور له الحاج سليم الحسيني ، تلك الشخصية الفذة فكنت فخورا بمرافقته في رحلاته وجلساته منذ نشأتي فوقفت على عادات أهالي القرى وموسيقاها في قضاء القدس ومن ثم في أريحا والبحر الميت والكرك وذلك قبل وإبان الحرب العظمى . ونظرا لميولي الفطرية للفنون وأهمها الموسيقى العربية ذلك الفن الرفيع الذي اجتاز القسط الأكبر من حياتي فقد تمتعت بحضور مجالس أنس وليالي سمر مع شخصيات عظيمة ولها قيمتها أمثال متصرفين وقواد وحكام وأدباء وفنانين من مواطنين وغرباء في العهدين العثماني والبريطاني ليتعذر لغيري الوصول إلى مثل هذه المجالس وقد أصبح لي معارف كثيرة لا تحصى من الأسر الراقية والعائلات ومن مختلف الطبقات والأجناس والأديان اكتشفت بواسطتها على كثير من حوادث خفية يصعب لغيري الحصول عليها والوصول إليها . 2 . عملي بوظيفتي في حكومة الانتداب البريطاني كمدير مال في القدس للضرائب ورئيس لجنة تخمين أملاك المدينة ذلك العمل الذي يقضي أن أدخل بيوت العائلات للسكن والمتاجر والمعاهد والأديرة وغيرها من الأملاك وأحتك بأهلها وأصحابها وسكانها مما ولا شك قد زاد في معلوماتي العامة في الحياة فشجعني على جمع واقتناء التحف الشرقية النادرة على اختلاف أنواعها فكانت وظيفتي هذه بالنسبة إلى حبي للفنون أساسا وموفقيه كبرى لوجود المجموعة الجوهرية التي يجيء البحث عنها مطولا في صفحات هذا الكتاب . نعم هذه الأسباب التي ساعدتني بأن أقدم على تدوين أفضل ما حدث لي مشاهدة وسمعا وقد شجعني على ذلك أخي وصديقي الأستاذ محي الدين مكي فوافق على تسميته " الذكريات الجوهرية " وجعلته تقدمة مني إلى ولدي جرجس : فهو ولا شك رجائي الوحيد فيكون له هذا السجل بخط يدي بمثابة مفتاحا رائيسيا ، فإذا ما أحسن استعماله يمكنه فتح كل باب من الأبواب المدونة فيه ومنه يطلع بصورة واضحة على مجمل حياة والده وعائلته والأصدقاء فيذكر السلف وزمانه وأعماله وحوادثه الطريفة وعاداته خصوصا في بيت المقدس مدينة العائلة الجوهرية العزيزة .
--> ( 1 ) " ترك فلسطين طيلة حياتي " : من الواضح أن هذه المقدمة كتبت قبل النكبة حين اضطر الكاتب إلى اللجوء إلى لبنان .